محمد بن محمد ابو شهبة
96
المدخل لدراسة القرآن الكريم
يومك أنصرك نصرا مؤزرا ، ثم لم ينشب ورقة أن توفي ، وفتر الوحي « 1 » . ولم تذكر الروايات أن النبي كانت له صلة به قبل هذا ، بل السيدة خديجة هي التي عرّفته به ، ولا أنه أخذ عنه شيئا من معارف أهل الكتاب ، ولم يعرف عن ورقة أنه كان من دعاة النصرانية المبشرين بها ، ثم إنه لم يلبث أن توفي ، وهذا هو الصحيح المعتمد . وما روي من بقاء ورقة حتى شهد الدعوة المحمدية ، والصراع بين المسلمين والمشركين ، فغير صحيح ، وهي رواية شاذة ؛ فهل يعقل أن تكون هذه المقابلة الخاطفة ينبوعا لما جاء به الوحي المحمدي ! ( الرد على المقدمة الثالثة ) وأمّا ما زعموه من انتشار اليهودية والنصرانية في بلاد العرب ، ومن تنصّر بعض فصحاء العرب ، وشعرائهم ، كقس بن ساعدة ، وأمية بن أبي الصّلت ، ودعوتهم إلى التوحيد ، وإشادتهم بقرب ظهور النبي الذي بشرت به التوراة والإنجيل ، وتأثر النبي بهم في دعوى النبوة فغير صحيح . فاليهودية والنصرانية لم تكن منتشرة في بلاد الحجاز ، وهي التي بعث منها النبي صلى اللّه عليه وسلم ولم يكن بمكة يهود ولا نصارى ، وإنما كان اليهود بجوار المدينة المنورة ، ومع هذا فلم يكن لهم أثر يذكر في جيرانهم - الأوس والخزرج - بالمدينة ، ولم يتهود من العرب إلا القلة ، والذين تنصروا من العرب أقل من القليل ، وكانت معارفهم كمعارف أهل الكتاب بالمدينة وغيرها من أطراف الجزيرة العربية ، كنجران وبلاد الشام - مشوشة ملفقة محرّفة ، مما لا يعقل معه أن تكون مصدرا لما جاء به سيدنا محمد من أخبار وقصص تتسم بالصدق والحق ، وعدم التناقض والاضطراب . وأما قسّ بن ساعدة فقد مات قبل البعثة ، ولم يعرف أنه تنصر ، وإنما كان من الحنيفيين الذين دعوا إلى التوحيد بفطرتهم ، أو تأثروا بما بقي من شريعة الخليل إبراهيم - عليه السلام - وما روي من أن النبي صلى اللّه عليه وسلم رآه قبل
--> ( 1 ) انظر : صحيح البخاري - باب كيف كان بدء الوحي .